عاجل

إعـلان

هل باع الفلسطينيون أرضهم؟ ج1

فلسطين

فلسطين

إعـلان

مِن الأكاذيب التي يروِّج لها الكثيرون دون تمحيصٍ وبحثٍ عن الحقيقة: أن الفلسطينيين باعوا طواعية بيوتهم وأراضيهم لليهود الذين هاجروا في جماعاتٍ لفلسطين، أي أن اليهود تملكوا أراضي فلسطين بأموالهم التي دفعوها ثمنًا لها! وهذا تصور ساذج مِن جهة، وينافي الحقائق التاريخية مِن جهةٍ أخرى، وهو ما تروِّج له الصهيونية العالمية لتخفي وراءه جرائمها الشنيعة البشعة التي ارتكبتها في حق الفلسطينيين العزل لتنتزع معظم ما تواجدتْ عليه في فلسطين قبْل الوصول إلى مرحلة الحروب مع العرب عام 1948م وما بعده، والتي عن طريقها تمددت واتسعت حدودها إلى ما وصلت إليه حاليًا.

والعجيب أنه في الوقت الذي تروِّج فيه الصهيونية لهذه الأكذوبة، وتجد مَن يصدقها ويرددها ويدافع عنها! تروِّج الصهيونية أيضًا لأكذوبة تناقضها، وهي أن اليهود هاجروا هجرة جماعية لفلسطين التي كانت وقت هجرتهم إليها أراضٍ بور خالية مِن السكان، فتوطنها اليهود وعمَّروها وأقاموا عليها دولة متحضرة على النظام الغربي، وعليه لا تعترف الصهيونية بالشعب الفلسطيني؛ إذ كانت فلسطين وقت هجرتهم الجماعية إليها في بداية القرن العشرين بلا شعبٍ ولا سكانٍ، ومنها مقالتهم التي صدقها كثيرون: "أرض بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض!". والمراد بالأرض: "أرض فلسطين". والمراد بالشعب: "الشعب اليهودي!".

وبهذه المقولة الباطلة أشد البطلان تسوِّغ الصهيونية شناعة ما اقترفته في حق الشعب الفلسطيني الذي شردته، ولا تعترف حتى الآن بوجوده أو بحقه في العودة إلى أرضه!

ولدحض ذلك كله ينبغي علينا أن نبدأ القضية مِن أولها، نتتبع تطوراتها خطوة خطوة -مع الاختصار- لنبيِّن -وبوضوح لا لبس فيه- الحقيقة ناصعة بيضاء؛ وبالتالي شناعة ما يروج على السذج، وما يبثه المغرضون مِن أكاذيب وافتراءاتٍ في هذا الشأن.

الغياب اليهودي عن فلسطين:

برغم ما تعرض له اليهود في أوروبا في القرون الميلادية الوسطى مِن اضطهادٍ ديني، فقد كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين محدودة جدًّا، لا تزيد عن بضع مئات مِن اليهود كما رصدها بعض الرحالة الغربيين إلى الأماكن المقدسة في زياراتهم لها في هذه الفترة، بل عندما اشتد الاضطهاد الأسباني لليهود في القرن الخامس عشر الميلادي، وأجبر اليهود على ترك أسبانيا اتجه أكثرهم إلى شمال إفريقيا وبلاد البلقان وبعض دول أوروبا الغربية، بينما اتجه نفر قليلون مِن اليهود الأسبان وقتها إلى فلسطين، هذا بالرغم ما عرف عن المسلمين مِن التسامح مع أهل الكتاب مِن النصارى واليهود وقبول تواجدهم في البلاد الإسلامية كأهل ذمة وعهد -بما في ذلك أرض فلسطين-، ولهم الحرية الدينية، وحق التحاكم إلى ما هم عليه في أحوالهم الاجتماعية و شئونهم الدينية.

بداية الهجرة اليهودية لفلسطين:

خلال القرن التاسع عشر الميلادي بدأت حركة هجرة يهودية -لكنها ضعيفة- إلى فلسطين برعاية بعض رجال المال اليهود الأثرياء ترمي إلى إقامة مستعمرات لليهود في فلسطين، وحتى قرب ظهور الحركة الصهيونية الحديثة أواخر القرن التاسع عشر بزعامة (هرتزل) لم يزد عدد اليهود في فلسطين عن 25 ألف يهودي مِن جملة سكان فلسطين وقتها البالغ عددهم وقتها نحو600 ألف نسمة، وكان أكثرهم مِن اليهود العرب، وليسوا مِن اليهود الأوربيين، إذ لم يتحمس اليهود خاصة في دول أوروبا الغربية للهجرة مِن دولهم الأوروبية التي استقروا فيها وتأقلموا عليها، حتى بعد ظهور الحركة الصهيونية الحديثة الداعية لهجرة اليهود لفلسطين وإقامة دولة لهم فيها.

وإنما تغيرت الأوضاع، وبدأ قبول الفكرة الصهيونية تلك بعد صدور وعد بلفور عام 1917م، وتعهد بريطانيا لزعماء الحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والذي كان انتصارًا كبيرًا للصهيونية العالمية، ونقطة تحول رئيسة في تحقيق أطماعها الاستعمارية، وزاد الأمر حدة استغلال الصهيونية لما أشيع عن اضطهاد الألمان النازيين لليهود -خاصة مع الحرب العالمية الثانية- لدفع يهود أوروبا إلى الهجرة الجماعية إلى فلسطين كملاذ آمن لليهود.

تطلع هرتزل واليهود الشرقيين لفلسطين:

وفي أعقاب المذابح التي تعرض لها اليهود في روسيا أواخر القرن التاسع عشر (عام 1882م) اشتد الاتجاه اليهودي الداعي إلى هجرة اليهود إلى فلسطين، والتي تطور و تبلور إلى الحركة الصهيونية الحديثة على يد (تيودور هرتزل)، وقد لاقت هذه الحركة الاستجابة الأكبر لدى يهود روسيا وأوروبا الشرقية أولًا، وهذا يفسِّر سبب كون أكثر مؤيدي الحركة الصهيونية والمتحمسين لها عند ظهورها، وأكثر زعماء إسرائيل بعد ذلك، كانوا مِن اليهود الشرقيين القادمين مِن روسيا وأوروبا الشرقية.

بدايات التوجس الفلسطيني مِن اليهود:

بدأ التوجس الفلسطيني مِن الهجرة الجماعية لليهود وبناء مستعمرات خاصة لليهود في فلسطين مبكرًا، ففي عام 1891م قدم بعض أعيان القدس مِن الفلسطينيين مذكرة إلى السلطة العثمانية في الأستانة يطالبون فيها بمنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومنع اليهود مِن شراء أراضي في فلسطين بعد أن لاحظوا التوافد الجماعي لليهود وبداية ظهور مستعمرات قاصرة على اليهود في فلسطين، فمع قلة أعداد اليهود، ومع سماحة المسلمين مع النصارى واليهود عبْر تاريخ الإسلام الطويل، إلا أن هؤلاء الأعيان مِن الفلسطينيين توجسوا مِن تلك التحركات اليهودية -ومِن بدايتها- بدرجة دفعتهم لتوجيه هذه المذكرة، وفي عام 1901م طالب عارض مزارعي (طبريا) شراء اليهود للأراضي في منطقتهم بعد أن توجسوا مِن التوافد الجماعي لليهود على فلسطين.

ومع مطلع القرن العشرين بدأت صيحات تحذر مِن أطماع الحركة الصهيونية الحديثة، وتتحدث عن نتائج المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1898م، ففي عام 1905م صدر كتاب (يقظة الأمة العربية) لنجيب عازوري، الذي ينبه فيه على خطر الحركة الصهيونية على فلسطين والأمة العربية.

وفي عام 1911م صدر أول كتاب باللغة العربية عن الصهيونية بعنوان: (الصهيونية: تاريخها وهدفها و أهميتها) لنجيب نصار، وتبنت بعض الصحف الفلسطينية مواجهة هذه المحاولات اليهودية الأولى في هذه الفترة منها صحيفة (الكرمل).

الحركة الصهيونية والسلطان عبد الحميد:

وللتغلب على أي معوقات في هذا الجانب كان سعي (هرتزل) مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة للحصول على موافقة السلطان العثماني عبد الحميد الرسمية على استيطان اليهود في فلسطين، فبعد أن حصل هرتزل على تعاطف دول أوروبا مع المسألة اليهودية أراد أن يستغل ذلك في الضغط على الدولة العثمانية التي تقع فلسطين ضمن أملاكها، خاصة في ظل ما كانت تعانيه تركيا مِن مشاكل اقتصادية مكنت الدول الأوروبية الدائنة مِن التدخل في شئونها المالية، فقدم هرتزل عرضه المغري للسلطان العثماني في يونيو 1896م بتسوية أوضاع تركيا المالية مقابل السماح باستيطان اليهود أرض فلسطين التي يمتلكها السلطان ضمن القانون المدني فقوبل عرضه بالرفض مِن السلطان، وبعدها بعامين قابل هرتزل السلطان عبد الحميد، واقترح عليه مرة أخرى مساعدة البنوك اليهودية الغنية في أوروبا للدولة العثمانية مقابل السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين، فجاء رفض السلطان عبد الحميد قاطعًا.

وقد كتب السلطان عبد الحميد في مذكراته عن لقاء هرتزل يقول: "لن يستطيع رئيس الصهاينة هرتزل أن يقنعني بأفكاره، وقد يكون قوله: ستحل المشكلة اليهودية يوم يقوى فيه اليهودي على قيادة محراثه بيده صحيحًا في رأيه، أنه يسعى لـتأمين أرض لإخوانه اليهود، لكنه ينسى أن الذكاء ليس كافيًا لحل جميع المشاكل... لن يكتفي الصهاينة بممارسة الأعمال الزراعية في فلسطين، بل يريدون أمورًا مثل تشكيل حكومة وانتخاب ممثلين، إنني أدرك أطماعهم جيدًا، لكن اليهود سطحيون في ظنهم أنني سأقبل بمحاولاتهم، وكما أنني أقدر في رعايانا اليهود خدماتهم لدى الباب العالي فإني أعادي أمانيهم وأطماعهم في فلسطين".

بينما كتب هرتزل يقول: "أقر على ضوء حديثي مع السلطان عبد الحميد الثاني أنه لا يمكن الاستفادة مِن تركيا؛ إلا إذا تغيرت حالتها السياسية عن طريق الزج بها في حروب تهزم فيها، أو عن طريق الزج بها في مشكلات دولية، أو بالطريقين معًا في آنٍ واحدٍ"، وهذا ما كان.

يتبع

 

إعـلان
إعـلان

إعـلان
إعـلان